🧭 المقدمة: فريق مسارات وقافلة الخير
**في البداية، وقبل أن تروي الرياح حكاية النبعات السبعة، وقبل أن تخطو الأقدام أولى خطواتها على دروب الخير… كان هناك فريق.**
ليس مجرد فريق، بل **عائلة تمشي معًا**، قلبها النابض بالحب والشغف هو الأستاذ **وهيب السعيد أبو ليلى**، ذلك الرجل الذي جعل من “المشي” رسالة، ومن “الطريق” مدرسة.
**فريق مسارات للمشي والرحّالة**، بأعضائه المخلصين ومنظميه المتمكنين، لم يتركوا شاردة ولا واردة في هذا المسير إلا وأحسنوا ترتيبها. خططوا، استكشفوا، درسوا المسار بدقة المهندس، ثم فتحوا الأبواب أمام العاشقين.
ويا للروعة!
تجاوبت القلوب قبل الأقدام، وتوافدت النفوس المحبة للطبيعة والتاريخ والجهد الطيب.
كان العدد يقترب من **350 مشاركًا ومشاركة**، كأنهم قافلة واحدة، يحدوهم هدف واحد: أن يكونوا جزءًا من **”مسير النبعات السبعة، مسير الخير”**.
رجال، نساء، شباب، شابات، وأطفال تلوح ابتساماتهم كأنها ينابيع صغيرة.
وقفوا جميعًا في **وادي العراطزة** عند نقطة الانطلاق، ينتظرون الإشارة… وقلوبهم تخفق بنفس النبض:
*”لنمشِ معًا… ولنروِ حكاية الماء والخبز والجبل”*

🌟 كلمة شكر من القلب… إلى عرين الحكمة
وفي بداية هذا المسير المبارك، بين حفيف خطوات 350 مشاركًا، ودقّات قلوبهم الممتلئة بعشق الأرض والتاريخ، وقف في بداية الطريق رجل… لا يُشبهه أحد.
**المربي الفاضل الأستاذ إبراهيم عبد الغني حموده.**

ذلك الرجل الذي تجاوز **عقدَه التاسع**، لكن روحه لا تزال شابة كينبوع جب ربا، وعزيمته أصلب من صخر الجبال التي حكت أسرار عرطوز لآلاف السنين.
وقف الأستاذ إبراهيم هناك، في وادي العراطزة، يحدق في المشاركين بعينين لا تريان فقط وجوه اليوم، بل تستذكران أجيالًا مضت، وتخططان لأجيالٍ ستأتي.
وبصوته الذي لم توهنه السنون، ألقى كلمة الترحيب. لكنه لم يكتفِ بالترحيب.
**بل أصرّ.**
أصرّ على إيصال **المعلومة الحقيقية**، الصحيحة، الموثقة، كما يحبها المربّون وكما يستحقها أهل البلد.
لم يترك الأستاذ إبراهيم فرصة لتشويه التاريخ، ولا مجالًا لالتواء الرواية، إلا وقام بتقويمه، بكل أمانة العالم، وحكمة المعلم، وعزة النفس التي لا تعرف المجاملة على حساب الحقيقة.
كان كـ **”مكتبة تمشي على الأرض”**، يروي لنا كيف كانت عرطوز قبل الزلزال، وكيف نجا أهلها من الكوليرا والأوبئة، وكيف احتضن النهر من تبقى، وكيف تعايش المسلمون والمسيحيون والدروز في “جديدة عرطوز” كما يعيش الأخوة في بيت واحد.
لم يكن مجرد محاضرٍ يُلقي معلومات، بل كان **أبًا يروي حكاية بيته الأول**، و**مربيًا يزرع في قلوبنا حب الحقيقة** قبل حب أي شيء آخر.
شكرًا لك يا أستاذ إبراهيم… 
شكرًا لأنك أصررت،
وشكرًا لأنك لم تتعب،
وشكرًا لأنك جعلت من عقدك التاسع تاجًا من نور، يضيء لنا دروب المعرفة.
أنت مثال نادر للمعلم الذي لا يموت، وللأصيل الذي لا ينكسر، ولعرطوزيٍّ أحب بلده فحفظ تاريخها بحروف من ذهب.
**دمت لعرطوز فخرًا، وللعلم حارسًا، وللحقيقة صخرة لا تتزعزع.** 💚
🧭 المرشد والمعلم… وحكايات من القلب
ورافقنا صديقنا الأستاذ وائل إبراهيم حموده، عاشق عرطوز وابنها البار، في هذا المسير، يعرّفنا بقيمة هذه القرى التاريخية وطبيعتها الخلابة، ويُغني حديثه بحكايات لا تُملّ.
أطرق الجميع يستمعون، وهو يحدثنا عن أهالي عرطوز، فيقول:
“يا سادة، أهالي عرطوز من أروع الناس وأوفاهم، يُحسنون جوار الضيف، وتشدهم حميّة النخوة وروح التعاون. وخاصة أيام الحصاد، حيث ينتشر فلاحوها يشدّ بعضهم بعضًا في بيادر الحصاد كخليّة النحل، كلٌّ يكمل هذه الفرحة، فرحة عطاء الله ومكرمات الطبيعة.
وعند حدوث الفيضانات في سنوات الخير المنهمر، يهب فتيان عرطوز مع رجالها لدفع الضرر عند سماع النداء من مآذنها: ‘يا أهل النخوة، يا أهل المروّة… بيت فلان طايـف!’
وعند سنوات القحط وشحّ المياه، ترى الرحمة بين مزارعيها، إذ يُؤثر صاحب دور المياه – ‘عدّان السقاية’ – على نفسه، ويمنح حصته ودوره إلى الفلاح الذي يزرع محصولات صيفية عطشى لنقطة مياه واحدة.
والآن، يتابع الخلف ما تربى عليه السلف من حفاوة الترحيب بزوارها، وخاصة في أراضي الزيتون المعمر وبساتينها، بلا مقابل، مع بسمة الترحاب وكرم الضيافة.”
ثم استرسل وائل، وغصّت عيناه بالحنين، وهو يذكر جدّه، رحمه الله، مختار بلدة عرطوز الوجيه عبد الغني حموده “أبو فياض”، الذي عمل بإخلاص وتفانٍ في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، خدمةً لأبناء بلدته.
كان له مواقف مشرّفة بوجه المستعمر الفرنسي، يحمي أبناء بلدته بكل جرأة وثبات، لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يثنيه عن الحق وعيد ولا تهديد.
وكان أيضاً، يا سادة، مشرفاً على توزيع ملكيات الأراضي وحصصها المائية في مرحلة “التجميل الزراعي” أو “إعادة تنظيم الأراضي”، وهي مرحلة فاصلة في تاريخ الزراعة بمنطقتنا.
حدث ذلك في عام 1936 ميلادية، حيث تمّ:
-
تجميع الأراضي الزراعية المجزّأة، تلك التي كانت كالرقعة الممزّقة، قطعاً صغيرة ومتفرقة.
-
ثم إعادة تقسيمها بشكل منظم إلى قطع أكبر وأكثر انتظاماً، تليق بكرامة الفلاح وتُعينه على العمل.
-
مع تأمين طرق زراعية وقنوات ري، تخدم هذه الأراضي، وتسقيها من ينابيع الخير التي لا تنضب.
ولا ننكر، يا سادة، جهود العائلات العريقة في البلدة، ومخاتيرها الذين تعاقبوا عليها، كلٌّ في زمنه ومسؤوليته. ولا ننسى مربّي الأجيال والمعلمين فيها، كلّ بحسب دوره، لأن عرطوز يا سادة، ليست حجارة وتراباً فقط، بل قلوبٌ نابضة، وأيادٍ متعاونة، وتاريخٌ يُكتب بحروف من نور.
وهكذا، وكنا نمشي، والأستاذ وائل يروي، وكأن الزمن عاد بنا قروناً، لنعيش معه حكمة الأجداد، وكرم الآباء، ووفرة الأرض التي لا تبخل على من يحبها. 💚
و لمزيد من المعلومات عن تل الرماد على الرابط التالي
تل الرماد – https://droopna.com/%d8%aa%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%85%d8%a7%d8%af/com

📜 عرطوز… حكاية مكان وإنسان
**عرطوز** هي بلدة سورية تاريخية تقع في ريف دمشق، وأصل اسمها سرياني يعني “تنحى عن الطريق” أو “البلدة المتنحية”، إشارةً لموقعها القديم على جبل مطل.
يُعتقد أنها كانت موجودة قبل مرور القديس بولس الرسول.
تشتهر بكونها منطقة زراعية (زيتون وحبوب) وتقع قرب نهر الأعوج، وترتوي أراضيها من قناة رومانية تحت الأرض، تنبع على سفح تل الرماد الأثري بين أراضي قطنا وعرطوز.


كان سكان عرطوز قديمًا يسكنون الجبل القريب منها والمتواجد شمال غرب البلدة حاليًا، ويوجد به الآن آثار ما يسمى **عرطوز الخراب**، وهي بقايا الدمار للبلدة القديمة بعد الزلزال الكبير وارتداداته في القرن الثامن عشر إبان الاحتلال العثماني من عام 1759 حتى عام 1761، الذي كثرت فيه الأوبئة والأمراض الخطيرة أهمها الكوليرا.
ثم انتقل من تبقى منها على قيد الحياة من المسلمين والمسيحيين إلى ضفاف نهر الأعوج بعد تغير مساره بسبب الزلزال، ولحاجتهم للماء من أجل الزراعة.
ومن أهم ما كان يزرعه سكان عرطوز: الكرمة والمشمش. أما في الوقت الحاضر، فيهتم الأهالي بزراعة الزيتون والقمح والحبوب بأنواعها.
كانت بلدة عرطوز قديمًا عبارة عن مجموعة من المنازل المترامية على جبل يقع شمال غرب البلدة، وكانت أراضيها تمتد من المعضمية إلى صحنايا إلى قطنا، إلى أن حصل الزلزال الكبير في منتصف القرن الثامن عشر، فنزل من تبقى على قيد الحياة من هذه المنطقة التي باتت تُعرف بـ “عرطوز الخراب” إلى موقعها الحالي الذي يبتعد عن موقعها القديم حوالي 2000 متر.

وفي أواخر القرن الثامن عشر بعد عام 1794، وأوائل القرن التاسع عشر، وبعد ما يُسمى الحرب الأهلية في جبل لبنان، هاجر مجموعة من السكان واحتضنتهم عرطوز وشكلوا ما يُسمى **عرطوز الجديدة** على حساب أراضي عرطوز، وهي تعرف الآن بـ **جديدة عرطوز**، المؤلفة من المسلمين والمسيحيين والدروز، حيث انتقل مسيحيو عرطوز للسكن فيها بعد إنشائها.
وبعد هزيمة حزيران 1967 بحوالي 10 سنوات، تم إحداث تجمع جديد ضمن أراضي عرطوز أيضًا باسم **جديدة الفضل**، وتقع غرب جديدة عرطوز الحالية.
**معلومة:** يتبع لمنطقة “عرطوز” عدة قرى “كجديدة عرطوز وجديدة الفضل”، وكلمة “جديدة” تعني “القرية المحدثة”.
🏛️ قطنا… مفترق الحضارات
وأما مدينة **قطنا** في ريف دمشق، فتعود تسميتها غالبًا إلى أصول آرامية، حيث أُطلق عليها اسم “قطيا” والذي يعني **”القثاء البرية”** لكثرة القثاء في أراضيها. كما يُشار إلى أن اسم “كاتانيا” أو “كاتاني” اليوناني يعني **”مفترق الطرق”**.
وتعتبر المدينة منطقة تاريخية قديمة تعاقبت عليها حضارات عدة: آرامية، يونانية، رومانية، وإسلامية.
**وبين هذه وتلك… تبدأ الحكاية.**
تناغم أزلي بين خيرات مياه قطنا وثلوج جبل الشيخ الأشم، وأشجار الزيتون المعمر.


🚶♂️ المسار: بين سبعة ينابيع وعبقرية رومانية
مسيرنا يا سادة… يبدأ من **مَكْسَر فائض المياه المتدفقة** في أراضي عرطوز، وهي مكان افتراق الفائض من ينابيع قطنا عن مجرى مياه قناة عرطوز الدائمة الجريان صيفًا شتاءً ولله الحمد. الفائض نسميه **”نهر أبو الويز”**، وينتهي في عرطوز ويصب في مجرى نهر الأعوج المعضماني الشهير.
وهذه النقطة تحديدًا هي نقطة افتراق فائض المسيل من ينابيع قطنا، وهي:
- عين سلطان
- عين علاقيت
- عين فاترة
- عين رأس النبع
- عين التنور
- عين جب ربا
- عين المجنونة في قرية أمبيا
🧠 **بطريقة علمية:** هذه الينابيع السبعة تغذي حوضًا مائيًا واحدًا، وتُشكِّل معًا شبكة تغذي قرى كاملة بالزراعة والشرب.
🏛️ عبقرية الرومان
في طريقنا، سنرى دقة الهندسة المائية للرومان القدماء بوجود **الضوايات** على قناة عرطوز لكري وتعزيل مجرى القناة، حيث سنجد نبعين يرفدان القناة الأثرية: اسم أحدهما **نبع التينة**، والثاني **عين شوفان**، والأرض اسمها **شقفة السودا**، وهي لفلاحي عرطوز، وسُميت كذلك لقربها من تل الرماد التاريخي.

🌿 المحطات: من عين سلطان إلى جب ربا
ثم نسير إلى **عين سلطان** عبر بساتين قطنا وأراضي الحلالة.
ثم بمحاذاة **سكة الترين** إلى **عين علاقيت**.
ثم عبر بساتين قطنا الجنوبية بالقرب من مشفى قطنا الوطني ومشفى الحكمة. هذا الطريق يؤدي إلى قلعة جندل وعرنة وبقعسم وعيسم والريمة (حوض غني بالمياه، يجر ماؤه إلى قرى عرطوز وجديدة عرطوز وصحنايا).
💎 جب ربا… جوهرة الطبيعة

ثم إلى **أجمل ما استودعه الإله في حضن الطبيعة البكر**… إلى **جب ربا**.
وهي بركة عذبة طبيعية، يصل عمقها إلى **30 مترًا أو يزيد**، بقطر **100 متر**.
🍽️ الغداء عند جب ربا
هنا، على ضفاف جب ربا، كان موعد **الغداء**. جلسنا نأكل ونرتوي، ونروي حكايات عن عرطوز القديمة والجديدة. ضحكات الأطفال تعلو، والأصدقاء يتبادلون أطراف الحديث، وكأن الزمن توقف ليرسم لوحة لا تُنسى.

🚶♂️ استراحة المقصف والغناء
ثم بعد الاستراحة، نعاود المسير إلى نبعين جميلين: **التنور** و**رأس النبع**.
كانت **استراحة في مقصف رأس النبع**، حيث امتلأت القلوب بالغناء. رفعنا الصوت بمواويل شامية، وغنى الجميع لسورية، للأرض، للماء، وللخبز.
*”يا نبع عرطوز، يا خير الينابيع… ما مثلك بالدنيا ماء ولا مريع”*


📊 معلومات المسير
| التفصيل | البيان |
|———|——–|
| **المسافة التقريبية** | 15 كم |
| **طبيعة المسار** | مسار سهل + دروب زراعية |
| **عدد المشاركين** | حوالي 350 مشاركًا |
| **المرشد** | الأستاذ وائل حموده |
| **المنظم** | فريق مسارات بقيادة الأستاذ وهيب السعيد أبو ليلى |
🎬 خاتمة الحكاية…
لم يكن هذا مسيرًا عاديًا.
كان **مسير الخير**، مسير النبعات السبعة، حيث سرنا على خطى الرومان والآراميين، وأكلنا على ضفاف الأنهار، وغسلنا تعبنا ببركة جب ربا، وغنى قلوبنا بحب الأرض والماء.
وعدنا إلى بيوتنا، وأقدامنا تحمل تراب دمشق، وقلوبنا تحمل ينبوعًا لا ينضب من الحكايات.
**وإن سألتم: متى نعود؟**
فالجواب: **المسير يتكرر، والخير مستمر، والنبعات السبعة لا تزال تنتظر عشاقها.** 💙
*والحمد لله رب العالمين، الذي جعل من خطواتنا حكاية، ومن مائنا حياة، ومن ترابنا وطنًا.*
إعداد المقال :





