يقع تل الرماد 25 كم جنوبي غرب دمشق، في وادي قطنا الشرقي، تزيد مساحته عن 3هكتار، أبعاده 200غرب شرق، و150م شمال جنوب، يرتفع عن سطح البحر 830م، تصل سماكة الطبقات الأثرية فيه لستة أمتار، أطلقت عليه البعثة اسم تل الرماد بسبب لون التل الناتج عن كثرة الرماد في تربته، في حين كان يسمى بتل قطنا. زار التل عام 1936 موظفان فرنسيان في سورية هما بريفوست وكومبان من مصلحة الجمارك وقام الأخير بإجراء سبر في الموقع بالاشتراك مع الضابط بوتو، وجمعا الكثير من العينات والقطع الأثرية. نقبت فيه بعثة فرنسية برئاسة هنري دوكونتانسون H. De Contenson خلال الأعوام 1963- 1973، وصلت المساحة المنقبة 1500م2، كشفت عن آثار من العصر الحجري الحديث موزعة على ثلاث طبقات: الأولى 6250 -6000ق.م، الثانية 6000- 5800 ق.م، والثالثة 5800- 5500ق.م. ظهرت في التل مستوطنة زراعية سكن أهلها في بيوت متجاورة صغيرة على شكل أكواخ، بعضها ذو شكل دائري(قطرها 3-4م) مقعرة ذات جوانب غير منتظمة مطمورة إلى منتصفها، وتحوي مواقد، أما أرضياتها فكانت مفروشة بالكلس أو بالطين المدكوك أو بألواح الحجارة، وبعضها الأخر مستطيل أو مربع الشكل لها زوايا مستديرة، بنيت جدرانها الضيقة من الطين والحجر في المراحل الأولى، ثم من اللبن المجفف على أساسات حجرية (مدماك أو مدماكان)، وأصبحت أكثر سماكةً والبيوت أكبر حجماً (بلغت مساحة بعضها 45م2)، تألفت من حجرة واحدة، رصفت أرضياتها بالحصى وطليت بالملاط الأبيض أو الطين، فصلت بينها أزقة وشوارع وباحات أقيمت حولها منشآت خدمية، كما وجدت بينها مساحات احتوت على مصاطب، وأقيمت فيها المواقد والأفران التي بلغ قطر بعضها 130سم، ومخازن حبوب كانت على شكل جيب يصل قطر كل منها إلى 180سم، وتحيط به حافة. الغرف في كلا النوعين كانت تستند على بعضها أو تتوضع حول زقاق أو حول باحة. ولا بد أن هذه البيوت، كانت تتسع لأسر كبيرة تربطها علاقات عائلية متينة، بعد أن اتسع وتعقد النسيج الاجتماعي للقرية. وفي المرحلة الأخيرة من حياة مستوطنة تل الرماد لوحظ تبدل اقتصادي واجتماعي مهم في حياة السكان الذين تحولوا من مجتمع مستقر، شكلت الزراعة مصدر رزقه الأهم في مراحلهم السابقة، إلى مجتمع رعوي متنقل اعتمد على تربية الحيوانات بعد أن تراجعت الزراعة، كما دلت على ذلك بيوتهم البسيطة والموسمية فضلاً عن البقايا الكثيرة لعظام الحيوانات التي دجنوها كالغنم والماعز والبقر والخنزير. عثر في تل الرماد على كثير من الأدوات واللقى الأثرية منها الدمى المصنوعة من الطين المجفف والتي أصبحت في المرحلة الثانية أكثر صقلاً وصلابة بعد شيّها بالنار، وهي تمثل أنواعاً مختلفة من الحيوانات كثير منها له قرون، وهناك دمى بشرية (أغلبها لنساء) تبرز فيها جوانب الخصوبة بشكل خطوط ومنها تمثال أمرآة جالسة، ودمية أسطوانية الشكل ومسطحة القاعدة لها ندبات تمثل ذراعين وثقوب تشير للقدمين، كما وجدت دمى ذات رؤوس متطاولة ولها عيون شبيهة بحبات القهوة، علاوة على تماثيل حجرية ربما كانت بشرية تشابه مثيلاتها في جبيل. تتميز الأدوات الصوانية التي عثر عليها بأنها ذات نموذجين الأول: من أصل نطوفي يتمثل في شفرات من الصوان الفاتح اللون (أزاميل، نصلات، رؤوس سهام مفرضة عند القاعدة، مكاشط غليظة الأطراف، فؤوس مصقولة، مثاقب، خناجر، رؤؤوس الرماح..)، والثاني يشبه الأدوات المكتشفة في سورية الشمالية ويتمثل في شفرات من الصوان القاتم اللون (أجزاء من مناجل، رؤوس سهام مذيلة، أزاميل..) أما الأدوات الحجرية فكان من بينها مدقات ومهارس الحبوب والرحى والبلطات التي صنعت من الحجر البازلتي والكلسي إضافة لبعض الأواني الحجرية. أما الأواني الفخارية فقد تميز الموقع بالأواني البيضاء المصنوعة من الجص، ذات العجينة التي تحتوي على بقايا نباتية ومعدنية، والتي وجد فرن لصناعتها، ومنها طاسات ذات كعب مقعر طليت أحياناً بالأحمر، وهناك أوان كبيرة أسطوانية ذات قعر مسطح، وهناك أوان من الفخار الهش لكنها نادرة تشبه فخار رأس الشمرا، كما تميز تل الرماد بنوع من الفخار المشوي جيداً وهو قاتم اللون ومعه الفخار الأحمر المشابه لفخار جبيل، وقد ظهر هذا النوع من الفخار المسمى فخار العمق في حوضة دمشق لأول مرة في نهاية الألف السابع ق.م، ويعتقد أنه انتقل من تل الرماد جنوباُ إلى لبنان وفلسطين. ومن اللقى أيضاً أدوات الزينة والحلي والعقود التي صنعت من الكورنالين أو الستياتيت أو الألاباتر أو الصدف، ومجموعة أجزاء من خواتم صنعت من العظم المصقول. كما وجدت في تل الرماد أدوات عظمية نادرة، كالإبر والمكاشط والملاعق، وغير ذلك من اللقى التي تدل على مجتمع قادر على إنتاج كل ما يحتاج إليه وتصنيعه. تُعدُّ المدافن وطريقة الدفن التي عثر عليها من أهم ما كشف عنه في الموقع لأنها تعبر عن طقوس جنائزية مرتبطة بعبادة الأجداد، حيث وجد تقدير كبير للجمجمة التي كان يتم فصلها عن الجسد لتوضع في حفر تحت أرضيات البيوت أو قريبة منها. وكان يتم قولبة هذه الجماجم بالطين المجفف والجص ويتم تلوينها بالأحمر الغامق. وقد وجدت معها تماثيل كبيرة يصل طولها حتى 25 سم تقريباً كانت تركب هذه الرؤوس عليها وتوضع في حفرة بيضوية من اللبن وبقربها إناء حجري كبير، ويبدو أن هذه الجماجم كانت نوعاً من الأثاث الجنائزي الذي كان يتم حفظه في مكان ما ليستحضر عند الحاجة له في بعض الطقوس. وفي الطبقة الثانية، استمر هذا النوع من الدفن مع وجود عمليات دفن في وضع متعارض في حفر بجوار المساكن، حيث عثر على العديد من أجزاء الجماجم غير المليسة, أما القبور, بمعناها الكامل فلم توصف حتى الآن بالتفصيل، وهناك ذكر لهيكل مثني في حفرة ورأسه نحو الغرب، كما وجدت المدافن الجماعية ( العائلية). أما بالنسبة للجنس فلا يوجد معيار، أي يمكن أن تكون لذكر أو أنثى وهي تخص أشخاص بالغين وأحيانا كانت ليافعين. ومن المثير أن يعثر في تل الرماد على نفس دلائل عقيدة الجماجم مثل أريحا (في فلسطين)، فقد كانت الجبهة في بعض هذه الجماجم مطلية باللون الأحمر، والوجه مكلساً بنوع من الجص المتفحم، وقد أظهرت تقاسيم الفك السفلي والرقبة، وأشير للعيون بالكلس الأكثر بياضاً. وتؤكد المعطيات من تل الرماد أن إيداع الجماجم حصل بشكل مستقل عن القبور وأنه أعطي لهذه الجماجم مكانها الخاص داخل بيوت السكن. ولكن هناك قضية لا زالت غير واضحة حتى الآن تتعلق فيما إذا كانت هذه الجماجم مطمورة أي لا ترى من قبل السكان وهي بذلك تؤيد فرضية (ودائع تأسيس بناء البيت) أم أنها وضعت ببساطة في حفر دائرية, وكانت تخرج من تلك الحفر عند الحاجة. إن عبادة الأجداد هي الصيغة الأكثر وضوحاً وتجديداً في ديانة الألف السابع قبل الميلاد. وتبقى فكرة تقديس الأسلاف هي العنوان الأبرز مع بروز مكانة المرأة واليافعين. إعداد : محمود حمود – ابراهيم عميري دائرة آثار ريف دمشق





